الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ علي بن حاج

الأخبار والفعاليات

مقال تأصيلي لفضيلة الشيخ علي بن حاج // من أحكام الاستقالة والإقالة والعزل في ضوء الفقه الإسلامي//

مقال تأصيلي لفضيلة الشيخ علي بن حاج // من أحكام الاستقالة والإقالة والعزل في ضوء الفقه الإسلامي//

تاريخ الإضافة: الأربعاء, 22 نوفمبر 2017 - 14:06 مساءً | عدد المشاهدات: 1,188

بسم الله الرحمن الرحيم

 

                                                              الجزائر في 03 ربيع الأول 1438هـ

                                                         الموافق لـ 22 نوفمبر 2017 م

 

 

من أحكام الاستقالة والإقالة والعزل في ضوء الفقه الإسلامي

الحريري – موغابي- بوتفليقة

 

* الحمد لله القائل في كتابه العزيز:"وزاده بسطة في العلم والجسم" والصلاة والسلام على رسول الله الذي حذّر من تولية الضعفاء ولو كانوا صالحين، إذ قال لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: "إني أراك ضعيفا وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"، وفي رواية: "إني أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمرنّ على اثنين" وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* إن حادثة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من السعودية اهتزّ لها لبنان حكومة وشعبا وأحزابا، حيث أصبحت حديث العواصم الغربية والعربية، ففي الوقت الذي اعترف النظام السعودي بالاستقالة وروّج لها عن طريق أبواقه الإعلامية، سارع رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون لرفضها، بدعوى أن رئيس الوزراء محتجز وتحت الضغط والإجبار، مما جعل النظام السعودي يتخبط في ورطة سياسية فريدة من نوعها لقصر نظره إذ كانت سقطة  سياسية مدوّية غير محسوبة العواقب وبالغة التهور، فهل يعقل أن تسمح دولة تحترم نفسها لأي رئيس حكومة أو رئيس دولة أن يقدم استقالته من على أراضيها؟ !! وبين عشية وضحاها أصبح النظام السعودي عرضة للنقد والاستهجان الدولي وبعد أخذ ورد واتصالات سرية من هنا وهناك اضطر النظام السعودي لعقد صفقة بينه وبين فرنسا التي رمت له بطوق النجاة وأنقذته من تلك الورطة التي وقع، واستطاع الرئيس ماكرو ووزير خارجيته تخليص المحتجز الحريري من براثين سطوة النظام السعودي في ظل حملة مسعورة شنّها ولي العهد المتهور على الدعاة والعلماء والأمراء والوزراء وأباطرة المال والإعلام الذين لم تعرف مصائرهم إلى يوم الناس هذا تحت غطاء مزعوم محاربة الفساد والمفسدين، وهل يعقل في عرف العقلاء أن يُحارب الفساد بالمفسدين؟!، ولا شك أن تخليص الحريري من قبضة النظام السعودي تمت بعد صفقة سوف تُكشف تفاصيلها في الأيام المقبلة.

 

* الحادثة السابق ذكرها دفعت بي إلى تحرير هذه المقالة التي تذكر ببعض القضايا النادرة في تراثنا الفقهي قبل ظهور عصر التنوير الغربي وهي من فرائد المسائل المغيبة والمنسية من فقهنا الإسلامي الذي حوى مسائل بالغة الروعة سبقت زمانها وعصرها، كما يضم هذا التراث قضايا فقهية هي أشبه بالمواد السّامة والأفكار الميّتة التي يجب التخلص منها بالحجة والدليل، فعلى فقهاء الإسلام إعادة استخراج واستكشاف تلك النوادر الفقهية النفيسة وإعادة عرضها وإخراجها للمسلمين خاصة وللإنسانية عامة.

 

* ومقالنا اليوم يحاول أن يسلط الضوء على نادرة من نوادر فقهنا الإسلامي السياسي وأقصد بتلك النادرة الفقهية التذكير ببعض الأحكام المتعلقة بعزل الحاكم المسلم إذا وقع له خلل في سلامته العقلية والنفسية والمعنوية والجسدية لاسيما وقد كثر القيل والقال في مدى شرعية ما أقدم عليه رئيس وزراء حكومة لبنان سعد الحريري وهل تقبل استقالته تحت الضغط والإكراه وهو خارج أرض الوطن أم لا تقبل ولكن بمعيار الفقه الدستوري الغربي، ولم تعالج وفق أصول الفقه الإسلامي وكأن فقهاء السياسة الشرعية لم يتطرقوا لمثل هذا الموضوع الخطير في تصانيفهم! متجاهلين أن أصول التشريع السياسي الإسلامي له في كل حادثة أو نازلة حكم متفق عليه أو مختلف فيه، كما أن استقالة الحريري 47 سنة المرفوضة داخليا وخارجيا تزامنت مع محاولة قيادة الجيش في زيمبابوي الانقلاب على الرئيس روبرت موغابي البالغ مع العمر 93 سنة ووضعه تحت الإقامة الجبرية وإجباره على تقديم الاستقالة جبرا وكرها بعد أن رفض ذلك مرارا إلى أن أجِبر عليها بعد أن حرّك قادة الجيش الشارع والمعارضة وأركان الحزب الحاكم والبرلمان ومجلس الشيوخ وكان الجميع من قبل من أركان النظام المستبد الفاسد الذي عمره 40 سنة، فهو انقلاب داخلي بين النخب الحاكمة على حاكم ثوري ضد الاستعمار ولكن استغل ماضيه الثوري في ممارسة الاستبداد الاستقلال،    وأغلب الثوار في العالم على الاستعمار تحولوا إلى جلادين لشعوبهم بعد أو وصلوا إلى سدة الحكم إلا ما رحم ربي، وقد بيّن فقهاؤنا المواطن التي يجوز أو يجب فيها عزل الحاكم أو خلعه أو انخلاعه إذا تعرض لمرض عقلي أو نفسي أو جسدي، كما أنني  أحاول في هذه المقالة -قدر المستطاع- تجلية بعض النوادر الفقهية المغفول عنها والمطموسة في كتب التراث الإسلامي التي يجهلها عامّة الناس إلا القليل النادر من أهل الاختصاص بشأن السياسة الشرعية ولا شك أن أهل العلم والدعوة يتحملون مسؤولية جهل العامة لمثل هذه المواضيع، إذ لا يتطرقون إليها لا في مساجدهم على وجه التفصيل أو التذكير وبعضهم يعيش دهره لا يعرج عليها لا في المسجد ولا أثناء الخطابة ولا تثار على الموائد المستديرة التي تنقلها الفضائيات وكأن التطرق إلى مثل هذه المواضيع من الممنوعات، وهي من الفقه الإسلامي بمكان.

 

* وقبل التطرق إلى ما سبق ذكره، أود الإشارة إلى جملة من الأمور الهامة التي لها علاقة بموضوعنا الذي سنفصل فيه بعض القول حسب ما يسمح به الوقت:

 

         أولا:  وجوب اتّصاف الحاكم المسلم بالعلم والقوة.

 

 * نص أهل العلم على أن منصب الحاكم المسلم يستوجب جملة من الشروط، منها سعة العلم والقوة. لقوله تعالى"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"البقرة247. فعندما اعترض بنو إسرائيل على اختيار الله لطالوت ملكا عليهم، علّل لبني إسرائيل سبب الاختيار لطالوت والمتمثلة في العلم والقوة إذ هما من أهم مؤهلات الحكم والقيادة فلا يمكن -شرعا أو عقلا أو فطرة-  أن يتولى أمر الناس من هو جاهل بدروب السياسة وحسن التدبير وجودة التخطيط وامتلاك القوة التي يتم بها تنفيذ السياسات ووضع الخطط اللازمة النفاذ، ولا بأس أن أنقل بعض ما قاله أئمة التفسير في ما يستفاد من هذه الآية الكريمة التي لها علاقة بالشأن السياسي العام، قال الإمام الطبري رحمه الله  "بسط الله له في العلم والجسم فآتاه من العلم زيادة على ما أتى غيره، وآتاه الله في جسمه زيادة ما أتى غيره...، فلا تستنكروا أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم وإن لم يكن من بيت الملك، فإن الملك ليس ميراثا عن الآباء والأسلاف ولكنه منحة من الله فلا تتخيروا على الله....."

وقال ابن كثير رحمه الله "....ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه..."، وقال علامة الشام جمال الدين القاسمي في تفسير الآية "...لمّا استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره ردّ عليهم ذلك أولاً بأن مِلاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره الله عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم وثانيا بأن العمدة فيه وُفُور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب وقد خصه الله منهما بحض وافر...."، وذكر بعض أهل العلم أن طالوت كان دباغاً أو سقاءً مع فقره، كما كان سليما من الآفات، عالما بما يحتاج إليه ولذلك اختاره الله لهم بعد أن طلب بنو إسرائيل من أن يختار الله لهم بنفسه عز وجل، إذ أمْر الاختيار لرجال السياسة وقادة الحروب من حيث الأصل مردّه إلى الناس ولكن بني إسرائيل كما هي عادتهم كثرة السؤال والتعنت فيه، وشدة الاعتراض على الله تبارك وتعالى، قال عبد الرحمن السعدي في تفسيره"...إن الله اختاره عليكم بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة وقوة الجسم الذَيْنِ هما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير وأن الملك ليس بكثرة المال ولا يكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم فالله يؤتي ملكه من يشاء..."، وقال الإمام القرطبي المالكي رحمه الله في تفسيره العظيم مبيّنا شروط الحاكم المسلم :"...ويجب أن يكون من أفضلهم علما، وفي التنزيل في وصف طالوت -إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم- فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء..." وقال أيضا حاكيا اعتراض واستنكار بني إسرائيل "...كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟ ...ونحن من سبط الملوك، وهو ليس كذلك، وهو فقير فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضائه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله، إن الله اصطفاه أي اختاره وهو الحجة القاطعة وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان والجسم الذي هو معينه  في الحرب وعدته عند اللقاء...فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة وأنها مستحَقّة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب فلا حظّ للنّسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها مقدّمَة عليه لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف منتسبا..." وقال ابن عباس رضي الله عنهما"...كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه وزيادة الجسم مما يُهيب العدو..." وقيل سمّي طالوت لطوله وقيل زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة ولم يُرد عظم الجسم. قال الشاعر:

ترى الرجل النحيف فتزدريه         *                وفي أثوابه أســــــــــد حصـــور

ويعجبك الطرير فتبتليـــــــــه         *                فيخلف ظنــــــــــك الرجل الطرير

وقد عظم البعير بغيـــر لـُــبّ          *                فلـــــم يستغــن بالعظــــــم البعير

 

.... وقد قال بعض المتأولين، المراد بالعلم علم الحرب وهذا تخصيص العموم من غير دليل..."

 

والحاصل أن الاهتمام بالكفاءة العلمية والسلامة الجسدية من الأمور البالغة الأهمية في حياة من يسوس الشعوب والأمم، فهل بعد هذا البيان المقتضب، يصحُّ للوزير الأول أحمد أويحي أن يقول بتاريخ 13 أكتوبر 2017 معترضا على المعارضة التي تبدي انشغالها بصحة الرئيس المتدهورة وغيابه الطويل وانقطاع صوته في الجماهير حيث قال "إن المعارضة فارغة شغل وليس لها سوى الاهتمام بصحة الرئيس وبرنامجها الوحيد هو الحديث عن صحة الرئيس"؟ !! فأحمد أويحي يجهل أو يتجاهل أن وضعية رئيس الجمهورية في وضعية صحية مزرية حيث أصبح لا يقوى على القيام بأخص شؤونه الخاصة ولا يقوى على حمل ورقة خفيفة الوزن ووضعها في صندوق الاقتراع والحق يقال أن صحة الرئيس موغابي رغم محاولة قيادة الجيش عليه وإجباره على الاستقالة مقابل منحه الحصانة هو وزوجته والمقربين منه ما زال إلى كتابة هذه السطور يقاوم ويصاول ويناور وقد بلغ من الكبر عتيا-93 سنة- بل مكر بقيادة الجيش فقرأ ورقتين ولم يقرأ الورقة الثالثة التي فيها نص الاستقالة فلم يفعل، فضحك على الجميع بالصوت والصورة بينما بوتفليقة لا في العير ولا في النفير فلا صوت ولا حركة ولا النبس بنت شفة، فهل يقال لمن يهتم بصحة رئيس الجمهورية فارغ شغل؟! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

 

* من العلوم سياسة أن من حق المعارضة الجادّة التي تطالب الجهات المختصة بتفعيل المادة 102 من الدستور الذي وضعته السلطة بنفسها لعزل رئيس الجمهورية، كيف لا والعام والخاص داخل الجزائر وخارجها يعلم أن بوتفليقة يعاني لعدة سنوات من أمراض مزمنة أقعدته عن الحركة والنطق والسماع وحجبتُه على العام والخاص وعموم الشعب الجزائري، ولكن –والحق يقال- غاب على هؤلاء المعارضين، إن رئيس المجلس الدستوري هو صنيعة الرئيس، فهو من عينه في منصبه وليس منتخبا، فهل يعقل أن يعصي مدلسي ولي نعمته وولي أمره وهو المتورط في قضية خليفة؟!!  ونحن لو كنا في بلاد تحترم نفسها لتمّ عزله من منصبه بطريقة سلمية شرعية من أكمد يعيد، ولكننا في دولة لا تحكم لا بقانون الأرض ولا بشريعة السماء، فأين مدلسي من رئيس المجلس الدستوري –الباكستاني تشودري- الذي أسقط رئيس الوزراء برويز مشرف من عرينه؟!! وهل يعقل أن يظل في سدة الحكم من يعاني من أمراض مزمنة نصت عليها المنظمة العالمية للصحة؟!!

* في الوقت الذي نرى فيه أعلام  الفقه الإسلامي من المذاهب الأربعة وغيرهم يهتمون أشد الاهتمام بالحالة الصحية لولي الأمر –أي الحاكم بلغة العصر- ويُسهبون في التفصيل بشأنها نظرا لأثر ذلك في تصرفات الحاكم وما يصدر عنه من سياسات وقرارات ولوائح وإرشادات، فقد استنبطوا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم عند مرضه "مروا أبا بكر فليصل بالناس" أن الحديث فيه إشارة خفية إلى أهلية أبي بكر لخلافته في حالة ما إذا أقعده المرض أو التحق بالرفيق الأعلى، وكان سِنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم 63 سنة، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طُعن في محرابه وأدرك أنه مشرف على الموت بعث بابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى أمِّنا عائشة رضي الله عنها يستأذنها في دفنه بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، ومحل الشاهد قوله له "قل لها إن عمر يقول لك....ولا تقل لها إن أمير المؤمنين يقول لك، فما أصبحت اليوم بأمير للمؤمنين..."وكان عمره 63 سنة وقيل 58 سنة، وهو الذي رفع يديه إلى السماء قبل طعنه بسنة داعيا "اللهم كبرت سني -63- وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني غير مضيع ولا مفرط، ثم قدم المدينة فلم يمض عليه عام حتى استشهد رضي الله عنه، والحاصل أن عمر رضي الله عنه أدرك أن من الأمراض ما تسقط مشروعية بقاء الحاكم في منصبه، وبالتالي لا يجوز انتحال اسم ليس له أن يحمله.

 

 

 

 

         ثانيا: التحذير من تولية الضعفاء أمور الحكم.

 

* من المعلوم شرعا وعقلا وسياسة أن القيام بمهام الحكم لا يقوى عليها إلا من يتمتع بكامل قواه العقلية والنفسية والجسدية والمعنوية، فالقوة بمفهومها الواسع شرط في تولي المهام، قال تعالى"يا يحي خذ الكتاب بقوة"طه12 وقالت المرأة الصالحة العفيفة لأبيها "يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين"القصص26، فقد أدركت هذه المرأة بعقلها النابه وفطرتها السليمة في ذلك الزمان الغابر، أن بعض المهام التي هي دون مهام الحكم والسياسة تحتاج إلى أهلية وإلى صفات خاصة من قوة وأمانة فكيف بسياسة الشعوب وقيادتها وتحقيق مقاصد الحكم ومراميه؟! وهذه العلة هي التي جعلت الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض تولية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو من هو في تقواه وصلاحه وقوة إيمانه، وقال له بصريح اللفظ "إني أراك ضعيفا"، أي في سياسة أمور العامة وليس في قوة إيمانه، فهو أصدق الناس لهجة وكان يختار من الحق أمرّه ليصدع به ويمشي وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده، ولكن سياسة الشعوب والأمم تحتاج إلى قوة في معرفة مسالك  السياسة الراشدة لا مجرد الصلاح الفردي وقد نص أهل العلم أنه في بعض المواطن يُقدم مَن فيه فسق وفجور على من فيه صلاح وتقوى وعجز وذلك من باب الضرورة أو الموازنة بين المفاسد والمصالح، ولسنا الآن بصدد التفصيل في هذا الجانب.

 

 

         ثالثا: من شروط الحاكم مباشرة أمر السياسة العامة بنفسه.

 

* لقد عدّدَ أهل العلم والفقه من أهل السياسة الشرعية جملة من الشروط الواجبة في الحاكم المسلم الذي يصح أن يطلق عليه اسم ولي الأمر تحقيقا لا تلفيقا وتدقيقا لا ترقيقا، فذكروا منها، أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة أمة وحراسة الملّة ولا يعوّل على التفويض إذ مخاطره كثيرة، كما أن مجرد الاتكال على الاستنابة يجرّ على الأمة المشاكل العويصة والمحن والفتن حيث يصبح القرار السياسي نهبة لمن استنابهم ورسخت أقدامهم في مناصبهم وأصبحوا أجنحة متصارعة ومراكز قرار متباينة ممّا يؤدي إلى التضارب والتناقض وتعدد التصريحات السياسية والخرجات الإعلامية المتناقضة بين مثبت وناف، وآخرها ما صرح بها المحامي فاروق قسنطيني الذي اتهمته رئاسة الجمهورية  بالكذب بل بالافتراء!، مما يعد فضيحة كبرى والتاريخ أكبر شاهد على مخاطر الاستنامة للإستنابة، فقد سقطت إمبراطوريات وتفككت دول واشتعلت حروب وأُبيدت أمم من جراء تعدد مراكز القرار وتصادمها وتقاعس الحاكم عن مباشرة أمور البلاد والعباد بنفسه، ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الخليفة الراشد إذ يقول "أرأيتكم إن استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل أقضيت ما علي؟ قالوا نعم، قال لا، حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا" وقال ابن رضوان رحمه الله"ينبغي للملك –أي للحاكم بلغة عصرنا-  أن يتفرغ للنظر في أحوال الولاة وأعوانهم وخدامهم حيثما كانوا والنظر في أحوال أقاصي البلاد وأدانيها..." وقال أبو بكر الطرطوشي رحمه الله"ومعظم ما رأيناه في أعمارنا وسمعناه ممن سبق في دخول الفساد على الملوك من عدم مباشرة الأمور"، قال الإمام الماوردي رحمه الله "أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوّل على التفويض تشاغلا بلذّة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح" وإننا لنعجب عندما تُحمل بعض أطياف المعارضة مسؤولية الإخفاق والفشل لبعض الوزراء والمسؤولين دون أن تحمل رئيس الجمهورية ذلك الإخفاق والفشل وهو المسؤول بالدرجة الأولى على تعيين هؤلاء الوزراء والولاة ومدراء القطاعات العامة في الدولة! كما نستهجن بعض فئام الشعب الذين يمدحون الرئيس ولا يحملونه مسؤولية الفشل ويحملونها لمن هو دونه كقول بعضهم: الرئيس ماعلابالوش، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته كما جاء في الحديث الصحيح،  وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى نفسه مسؤولا عن بَغلةٍ تعثُر في أرض العراق وهو بالمدينة.

 

         رابعا: عزل الحاكم لنفسه عند شعوره بالضعف المعنوي أو الجسدي.

 

* ذكر فقهاء الإسلام أن من طرق عزل الحاكم أن يعزل الحاكم نفسه بنفسه إما لعجز أو لضعف كالمرض أو الهرم وإما أن يكون لا لعجز ولا لضعف بل لإيثاره ترك هذا المنصب طلبا لتخفيف العبء عنه في الدنيا والآخرة، ففي الحالة الأولى أن يعزل نفسه لعجزه عن القيام بما هو موكول إليه من أمور الناس لهرم أو مرض أو نحوهما فإنه ينعزل إذا عزل نفسه –أي إذا قدّم استقالته بلغة العصر-، قال الإمام القلقشندي "إذا تحقق وجب زوال ولايته لفوات المقصود منها، بل يجب عليه إذا أحسّ بذلك أن يعزل نفسه حرصا على مصلحة المسلمين فسواء أكان هذا العجز ظاهرا للناس أم استشعره هو من نفسه، فهو موجب لتركه هذا المنصب".

والحالة الثانية وهي أن يعزل نفسه لا لعجز ولا لضعف بل آثر الترك طلبا لتخفيف العبء عنه في الدنيا حتى لا يُشغل بالمهام العظام الموكولة إلى رئيس المسلمين أو طلبا لتخفيف العبء عنه في الآخرة حتى لا يتسع حسابه، فصديق هذه الأمة طلب من المسلمين أن يقيلوه من منصب الخلافة قائلا "أقيلوني أقيلوني" فقال له الصحابة رضي الله عنهم "لا نقيلك ولا نستقيلك"، والحالة الثالثة أن ينظر فيها فإن لم يول الإمامة غيره أو ولى من هو دونه لم ينعزل قطعا، وإن ولى من هو أفضل منه أو هو مثله، فالأمر على رأيين:رأي يقول بالانعزال ورأي يقول بعدم الانعزال، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى كتب الفروع بشأن هذه المسألة.  قال الإمام القرطبي رحمه الله"ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصًا يؤثر في الإمامة فأما إذا لم يجد فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟..."

 

         خامسا: التذكير ببعض أسباب وجوب عزل الحاكم.

 

* لقد أسهب فقهاء السياسة الشرعية على وجه الخصوص في ذكر الحالات التي تستوجب عزل الحاكم أو خلعه، منها ما يتعلق بصدور الكفر البواح منه أو وقوع الفسق والفجور منه، كل ذلك ليس محل البحث في هذه المقالة، لأن الكثير من طلبة العلم الشرعي يظن أن أحكام العزلة والخلع محصورة في صورتين فقط الكفر أو الفسق، وإزالة لهذا الالتباس سوف نذكر صورا أخرى تستوجب العزل والخلع أغفلها الكثير عن جهل أو تجاهل أو عن عمد لكي لا تسترد الشعوب حقوقها المشروعة وتظل خاضعة للحاكم الطاغية، ولذلك لن نتطرق لصورة العزل بسبب الكفر أو الفسق، وإنما سنتطرق إلى حالات العزل أو الخلع إذا ما لحق ولي الأمر خلل في سلامته العقلية والنفسية والمعنوية والجسدية.

 

 

 

1-ما يتعلق بالسلامة العقلية:

 

* لقد أجمعت الأمم والملل والنحل على أن من شروط الحاكم -بغض النظر عن دينه- أن يكون ذا عقل سليم فهو شرط فطري لأنه من لا عقل له يحتاج إلى غيره فكيف توكل إليه أمور غيره؟ فلا تنعقد الولاية لمن فقد عقله كالمجنون والمعتوه، قال الله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"النساء5 وهي أصل في الحجر على السفهاء وأصحاب العقول الخفيفة ومنهم بلا شك ولا ريب المجنون والمعتوه والمخبول، إذ مثل هؤلاء قد رفع عنهم القلم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاث"، ولما كان من أهم أعمال أي حاكم، فضلا على أن يكون مسلما هو البت في الأمور الهامة التي تمس مصالح الأمة نص فقهاء الإسلام على أن يكون الحاكم على مقدار كبير من صحة الرأي والمعرفة بأمور السياسة وإدارة الحروب وحسن التفاوض في أوقات السلم والحرب وأن يكون على كفاءة عالية من إدارة أمور الحكم، ولذلك اشترط العلماء أن يكون عقل الحاكم ورأيه مفضيا إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح العامة على أكمل وجه وأتمه، ولذلك لم يكتفوا بمجرد العقل العادي الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة بل يجب أن يكون عقله فوق ذلك بكثير بحيث يتوصّلُ بفرط عقله وذكائه إلى حلِ ما أشكلَ وفصلِ ما أعضلَ وقراءة مصائر الحوادث والمآلات القريبة والمتوسطة والبعيدة في حياته وآثارها بعد مماته، فإذا أقدم الحاكم المسلم على إرساء أمور سيئة في الأمة وتبقى آثارها بعد مماته، فإن له كفل من الوزر، قال عليه الصلاة والسلام "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سنَّ القتل" رغم أنه لم يباشره بنفسه بعد مماته، وقد أثبت التاريخ أن ثمة ملوك وحكّام وأمراء أرسوا قنابل موقوتة لم تأخذ في الانفجار إلا بعد مماتهم، مما كان سببا في دمار تلك الدول وجعل الأجيال تلعنهم في قبورهم لِما جنوا على الأمة من كوارث ومصائب جراء سياسات بعيدة عن نِتَاج العقول الحَصيفة البعيدة النظر التي تحسن الموازنة بين المآلات القريبة والمتوسطة والبعيدة وهذا من أخطر الأبواب.

 

* ونظرا لما سبق ذكره، ذكر أهل العلم أن زوال العقل من أسباب وجوب عزل الحاكم فقالوا، إن زوال العقل إما أن يكون عارضا يرجى زواله كالإغماء أو لازما لا يرجى زواله كالجنون والخبل، فإن كان عارضا مرجوا زواله كالإغماء فهو لا يبطل رئاسة الحاكم، فلا يجوز عزله لأنه مرض قليل اللّبث سرعان ما يزول، وإن كان لازما لا يرجى زواله كالجنون والخبل فإما أن يكون مطبقا لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة، فإن كان مطبقا لا يتخلله إفاقة فهذا يبطل عقد الرئاسة لأنه يمنع المقصود منها، ولأن المجنون يجب إقامة الولاية عليه فكيف يُتصور أن يكون هو واليا على الأمة، قال الإمام النووي رحمه الله "فلو جُنّ فبايعوا غيره ثم أفاق لم تعد ولايته لأن مبايعته صحيحة فلا يجوز بأمر يحدث في غيره وأما إن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حالة السلامةّ فإما أن يكون أكثر زمانه الخبل أو يكون أكثر زمانه الإفاقة..." وقد قسم الإمام الماوردي زوال العقل إلى:

أ- ما يرجى زواله كالإغماء

ب- ما  لا يرجى زواله كالجنون والخبل

 

"فالأول لا يمنع انعقاد الإمارة ولا يمنع استدامتها لأنه مرض قليل اللبث سريع الزوال، والثاني هو اللازم الذي لا يرجى إزالته كالجنون والخبل وهو على ضربين:

أ- أن يكون مطبقا لا تتخلله إفاقة فهذا يمنع انعقاد الإمامة، وإذا طرأ على الإمام بعد تولية منصبه استحق العزل، إذا تحققنا من وجود هذا المرض وقطعنا به فيه.

ب-الثاني لا يرجى زواله هو أن لا يكون ذلك المرض ملازما له في كل أوقاته بل تتخلله أوقات إفاقة يعود بها إلى حال سلامته وحينئذ يُنظَر فإن كان زمن المرض أكثر من زمن الإفاقة فهذا كالمرض الدائم يمنع انعقاد الإمامة وإذا طرأ على الإمام بعد انعقاد الإمامة له سليما استحق العزل به" وثمة تفاصيل تتعلق بهذه النقطة نضرب عنها صفحا، ولكننا نقول بأننا في زمان يتّسِم بتسارع الأحداث وتغيرها وتطورها فضلا على كثرة وسائل الاتصال وانتشارها، زيادة على تطور الأسلحة الحربية وعبورها للقارات وتقلبات مصالح الأنظمة بين عشية وضحاها، فقد يصبح العدو صديقا والصديق عدوا فتداهم الشعوب والأمم حوادث طارئة لابد فيها من سرعة البث وأخذ القرار السياسي المناسب حربا أو سلما أو تفاوضا، فكيف يستقيم الحال لرئيس مريض قعيدٍ أصمٍ أبكمٍ يعاني من غيبوبة مزمنة مواكبة الأحداث، فهل من مصلحة الأمة والحالة هذه أن تنتظر إفاقته؟!! وعليه فلا بد أن يكون الحاكم في عصرنا هذا في كامل قدراته العقلية بل أن يكون عقله فوق العقول العادية وأرجح منها وزنا لدفع الضرر عن الأمة إذا صال صائل من الداخل أو الخارج، ومن ذا الذي يستطيع أن يتخذ قرارا سياسيا في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والحاكم يعاني إما من خبل أو جنون أو غيبوبة تعتريه بين حين وآخر، فمثل هذا الحاكم لابد من عزله، فلا يقبل في عصرنا هذا أن توضع مصائر الشعوب ومصالح العباد في يد رجل تنتابه لوثات عقلية أو خرف أو زهايمر أو شرود ذهني أو لا يقوى على التركيز والاستيعاب وحسن التواصل مع من يخاطبه، بل يجب في مثل هذه الحالة  - شرعا وعقلا- استصدار حكم بعزله، والتاريخ يحدثنا أن السلطان عبد العزيز 1861-1876 من سلاطين الدولة العثمانية اختل عقله وفقد الشعور بغيره وتصرف على غير دراية من أمره في تسيير شأن الدولة العَليّة، فأصدر العلماء فتوى بحقه جاء فيها "...إذا كان أمير المؤمنين مختل الشعور وليس له إلمام في أمور السياسة وما برح ينفق الأموال الأميرية في مصارفه النفسانية في درجة لا طاقة للملك والملة على تحملها وقد أخل بالأمور الدينية والدنيوية وشوّشها وخرب الملك والملة وكان بقاؤه مضرا بها فيصح خلعه..." ثم تولى السلطان مراد العرش مكانه وكان مريضا بالصرع وسريعا ما اشتد به المرض واختلت أعصابه فاستصدر رجال الدولة فتوى جديدة بخلعه فخُلع لعجزه الظاهر عن تصريف أمور الرعية، وكان باستطاعتهم إخفاء الأمر على الرعية في ذلك الوقت حيث لا إعلام ولا فضائيات  ولا وسائل اتصال، فلو فعلوا ذلك لصدقهم الشعب وانطلى مكرهم وحيلهم ودجلهم وكذبهم عليه ومع ذلك لم يفعلوا، أما في زماننا هذا فلا يمكن ذلك، حيث أصبح الإعلام ووسائله المختلفة في متناول الجميع؟!!

 

2-ما يتعلق بالسلامة المعنوية:

 

* اشترط أهل العلم في الحاكم أن يكون قادرا على التصرف بكل حرية في جميع الأوقات بحيث لا يملك أحدٌ أن يمنعه من مباشرة تدبير أمور الأمة والقيام بمقاصد الحكم، بعيدا عن الضغوط والإكراه والإجبار وفي حالة العجز عن ممارسة واجباته المنوطة به وجب عزله، ولم يقصّر فقهاء الإسلام في تفصيل حالات العجز والقهر والإجبار والإكراه التي تُفقِد الحاكم قدرته على التصرف الحر، وبينوا ذلك في مصنفاتهم، ونحن نذكر منها على وجه الاختصار ما يلي:

 

حالة القهر بالحجر: تتمثل فيما يلي:

- أن يستولي عليه بعض من أعوانه ومحيطه وحاشيته من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة وفي هذه الحالة القائم بالأعمال حقيقة هو المستبد بالأمور والمستولي عليها وليس الحاكم الشرعي المنتخب. وهذه العصابة المستبدة تحاول أن تغطي أفعالها بستار من الشرعية فتصدر الأحكام والقرارات باسم الحاكم المحجور عليه، المغلولة يده، المسلوبة إرادته وجمهور الفقهاء في مثل هذه الحالة يرون أن الحاكم لا يعزل بهذا ولكن يُنظَر في أعمال العصابة المستبدة فإن كانت موافقة للشرع وجب إقراره عليها من باب الضرورة كي لا تتعطل مصالح الناس وتفسد أفعالهم أما إذا كانت مخالفة للشرع وجب الضرب على يدها ولا يمكن إقرارها على ما يصدر منها، وصار لزاما على الحاكم أن يطلب النصرة حتى يزول تغلب هذا المتغلب.

 

حالة القهر بالأسر: وتتمثل فيما يلي:

 

أ- أن يقع الحاكم  في أسر الأعداء الكفار: ففي هذه الحالة يُنظر في الأمر فإما أن يكون مرجو الخلاص أوميؤوسا منه، فإن كان مرجو الخلاص بقتال أو فداء فهو على رئاسته ويجب على كافة الأمة استنقاذه من أيديهم، وإن كان ميؤوسا من خلاصه بأن غلبَ على الظن عدم خلاصه إلى موته، يكون بذلك قد خرج من الرئاسة وعلى أهل الحل والعقد (الجهات المختصة بلغة العصر) أن يختاروا غيره.

 

ب- أن يؤسر الحاكم من بغاة المسلمين: ففي هذه الحالة يُنظر في أمره وحالته، فإما أن يكون مرجوا خلاصه من أيديهم أو ميؤوسا منه، فإن كان مرجو الخلاص فهو باق على رئاسته ويجب على عامة الشعب نصرته واستنقاذه، وإن كان ميؤوسا من خلاصه فينظر في حال البغاة، فإن لم يكونوا قد اختاروا رئيسا لهم غيره فالرئيس المأسور بين أيديهم على رئاسته لأن بيعته لازمة لهم، وطاعته عليهم واجبة فصار معهم كما لو كان مع أهل العدل حال وقوعه تحت الحجر ممن استبد به من أعوانه، وحينئذ يجب استنابة آخر مكانه ليقوم بتصريف أمور الدولة بصفته نائبا عن الرئيس لا بصفته رئيسا حتى لا تتعرض مصالح الأمة للتعطيل، والرئيس المأسور أحق بحق اختيار من ينوب عنه ما دام قادرا على الاستنابة، فإن لم يقدر عليها فعلى الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد أن تختار هي النائب الذي يقوم بتصريف الأمور إلى غاية خلاص الرئيس من الأسر أو وفاته، فإذا تخلّص الرئيس من الأسر انعزل نائبه وأصبحت أمور الدولة راجعة إليه، وأما إذا عزل الرئيس المأسور نفسه أو مات في الأسر فإن نائبه لا يصير رئيسا للدولة إلا بمبايعة أهل الحل والعقد لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده، وفي حالة نصّب لهم رئيسا يخضعون له، فالرئيس المأسور في أيديهم خارج عن رئاسة الدولة، ومما لا شك فيه أن مبحث أحكام البغاة أمر يحتاج إلى تفصيل، لسنا الآن بصدَدِه ومن أراد التوسع في ذلك فليرجع إلى كتب الفروع في بيان أحكام البغاة والتعامل معهم.

 

* وصفوة القول أن الرئيس ينعزل عن منصبه إذا بطل تصرفه، إما بالقهر وإما بالإكراه أو الحجر أو الاستيلاء، والتاريخ الإسلامي مليء بالأمثلة للملوك وللحكام والأمراء والسلاطين الذين حجر عليهم من طرف المقربين منهم أو المتسلطين من قادة العساكر والجنود حيث  كفت أيديهم عن حرية التصرف، وسلبت إرادتهم الحرة، ونحن في هذا المقال نرمي إلى الإرشاد والتنبيه وإلا فبعض الأحكام الفقهية قيلت في زمانها ومكانها لا يصلح أن تنزل على عصرنا لاختلاف الواقع الذي تعيشه الأمم والشعوب فبعضها يحتاج إلى تنقيح وبعضها يحتاج إلى مراجعة وبعضها يحتاج إلى إزالة وبعضها إلى تصحيح، وحسبنا أن نبين للناس عبقرية العقل الإسلامي في معالجة النوازل السياسية المختلفة بدقة متناهية وتفصيل قلّ نظيره. 

 

3- ما يتعلق بالسلامة الجسدية:

 

* ويطلق عليها بالكفاءة الجسمية، فقد ذكر فقهاء الأمة أن العجز الجسدي على اختلاف ألوانه وأشكاله من الأمور المؤثرة في ترشح الحاكم وفي استدامة بقائه في المنصب أو عزله منه، ذلك أن العجز الجسدي يؤثر في العمل السياسي ومقاصد الحكم ويمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض وقسموا الأمراض المؤثرة وغير المؤثرة وفصّلوا القول في كل حالة على حدا.

أ- ما لا يمنع من عقد الإمامة ولا استدامتهاـ أي حق الترشح والبقاء في المنصب.

ب-  ما يمنع من عقد الإمامة -الترشح- ومن استدامتها.

ج-ما يمنع من عقد الإمامة والاختلاف في منع استدامتها.

د-ما لا يمنع من استدامتها ومنع ابتدائها.

 

والآن إلى ضرب بعض الأمثلة لتتضح الأمور إذ بالمثال يتضح المقال:

1- سلامة الأعضاء: فقد قسم الماوردي فقد الأعضاء إلى (04)أربعة لأقسام:

- أما ما لا يمنع من صحة عقد الإمامة ولا استدامتها:  وما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض ولا يشين في المنظر كقطع الذكر والأنثيين، فإنهما لا مدخل لهما في الرأي، وليس لهما تأثير إلا في التناسل، فيجري ذلك مجرى العنّة، فقد مدح الله سبحانه وتعالى نبيه يحي بن زكريا عليهما السلام فقال "وسيّدا وحَصُورا ونبيا من الصالحين"آل عمران39، ففي معنى الحَصُور رأيان، أحدهما أنه العنين الذي لا يستطيع إتيان النساء، وهو مروي عن ابن مسعود أو ابن عباس رضي الله عنهم، وثانيهما أنه من لا ذكر له يغشى به النساء أو له ذكر كالنواة وهو مروي عن سعيد بن المسيب رحمه الله، فلما لم يمنع ذلك من النبوة كان عدم منعه الإمامة من باب أولى، ومثل ذلك قطع الأذنين فإنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل.

- ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها: وهو فقد ما له تأثير في العمل كفقد اليدين أو له تأثير في النهوض كفقد الرجلين، فإن ذلك يؤدي إلى عجزه على القيام بحقوق الأمة في العمل والنهوض.

- ما يمنع بعض العمل أو بعض النهوض: كفقد إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فذلك مانع من عقد الإمامة ابتداءً لأنه عاجز عن كمال التصرف في أمور الأمة، وفيه تفصيل ينظر في محله.

- ما لا يمنع فقده من استدامتها: واختلفوا في منعها ابتداءً، وهو ما شان وقبُح ولا أثر له في رأي أو نهوض أو عمل كجدع الأنف أو فقد أحد العينين فقد اتفق أهل العلم على أن ذلك لا يمنع من استدامة الإمامة لأنه لا أثر له في شيء من حقوقها واختلفوا في منع ذلك من عقد الإمامة ابتداءً على رأيين، أنظره في محله. 

 

2- سلامة الحواس: ويدخل في سلامة الحواس، سلامة السمع والبصر والنطق والذوق والشم لأن هذه الحواس بها تدرك الأشياء ومعلوم أن الصمم والعمى والهرم يفقد الهيبة في نفوس الرعية وفي عين الأعداء والملوك والرؤساء والأمراء ويجعل الرئيس مجالا للسخرية والاستنقاص والتندر كما فعل رئيس الحكومة مانويل فالس عند نشره صورة الرئيس في حالة تبكي الحجر الأصم، فأصبحنا أضحوكة العالم، وهو أمر لا يلحق الرئيس بنفسه فقط بل يتعداه إلى  شعبه، ولذلك قال علماء الفقه السياسي أنه لا تنعقد إمامة الأصم لأن صممه يمنعه من سماع مصالح شعبه، كما أن الصمم يعتبر مانعا من تولي القضاء والشهادة فالإمامة من باب أولى، غير أنهم اختلفوا في طروء ذلك بعد عقد الإمامة، هل يكون ذلك في رئاسته أم لا على ثلاثة مذاهب:

أ- وهو أصحها، أنه ينعزل بذلك كانعزاله بالعمى لتأثيره في التدبير والعمل.

ب- لا ينعزل لأن الإشارة تقوم مقام السمع والخروج من الرئاسة لا يكون إلا بنقص كامل.

ج- يفرق بين ما إذا كان يحسن الكتابة أو لا يحسنها، فإن كان يحسن الكتابة بيده وكانت مفهومة بخلاف الإشارة الموهومة، فالأمر فيه نظر.

 

- أما العمى وفقد البصر، فإنه إذا أصيب به الرئيس بعد توليته بطلت رئاسته، كما تبطل ولاية القضاء وترد به الشهادة وهو ذو تأثير قوي على ولاية الحاكم يمنع من انعقادها ابتداءً ويمنع من استدامتها وخلل البصر له حالات، قال الإمام الغزالي رحمه الله "إذا لم يتمكن الأعمى من تدبير نفسه فكيف يتقلد عهدة العالم؟".

 

-أما النطق، يؤثر في صلاحية تولي المنصب إذ لا يمكن أن يقوم الحاكم بمهام الحكم وهو أخرس لا يقدر على النطق لأن القرارات السياسية والخطابات السياسية ومواجهة النوازل والكوارث والصعاب خير معبر عنها هو الرئيس بنفسه وبعظمة لسانه إبعادا للغموض والالتباس وله حالتان، أن يكون بشكل تمتمة في اللسان فهذا لا يمنع من استدامتها واختلفوا في منعه من عقد الإمامة ابتداءً على قولين:

أ- ذهب بعضهم إلى المنع بدعوى أن ذلك نقص يخرج عنه الخليفة عن حال الكمال.

ب-وذهب الآخرون إلى أنه لا يمنع من ذلك فهذا نبي الله موسى لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة، فمن باب أولى ينبغي أن لا يُمنع من الإمامة، قال تعالى "واحلل عقدة من لساني"طه27، وقوله تعالى: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا"القصص34.  

يتبع ......

رابط الجزء المكمل من المقال

http://alibenhadj.net/article/386

شاركنا بتعليق