الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ علي بن حاج

الأخبار والفعاليات

مقال تاصيلي للشيخ علي بن حاج << المـــســـلــمـون بين الاصلاح والتغيير وواجب إقامة شعائر الدين >>

مقال تاصيلي للشيخ علي بن حاج << المـــســـلــمـون بين الاصلاح والتغيير وواجب إقامة شعائر الدين >>

تاريخ الإضافة: الأربعاء, 13 سبتمبر 2017 - 23:59 مساءً | عدد المشاهدات: 1,234
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الهيئة الإعلامية للشيخ علي بن حاج
 

الجزائر

الهيئة الاعلامية للشيخ علي بن حاج

 الجزائربـ: 11ذي الحجة 1437هـ

الموافق لـ: 13 سبتمبر 2016م

...

المـــســـلــمـون بين الاصلاح والتغيير وواجب إقامة شعائر الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله و الصلاة و السلام على المصطفى و آله وصحبه اجمعين .
* بعد التدخل الذي قام به نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ على فضائية المغاربية الذائعة الصيت بمناسبة عيد الأضحى المبارك طلب من الشيخ علي بن حاج مزيدا من الإفادة لما آثاره من أفكار سريعة على عجل لضيق الوقت فكانت هذه المقالة التي فيها توضيحات هامة و مفيدة في اليوم الثاني لعيد المسلمين الأكبر فبارك الله فيه و أحسن إليه آمين .
و هذا نص المقال بأكمله .

بسم الله الرحمن الرحيم

المـــســـلــمـون بين الاصلاح والتغيير وواجب إقامة شعائر الدين

الحمد لله القائل في كتابه العزيز "لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه" الحج76 والصلاة والسلام على اشرف المرسلين القائل في الحديث الصحيح "أمرت بيوم الاضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة" وعلى آله وصحابته الذين عظّموا شعائر الله امتثالا لقوله "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" والقائل "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير"الحج36

في كل سنة تتعالى أصوات منكرة تحركها دوافع شتى ترمي إلى هدف واحد ألا وهو تزهيد الشعوب الاسلامية من إقامة شعائر الله الجماعية تارة بدعوى ان فقر العوائل وقلة ذات اليد وعليها ان تدخر المال إلى احتياجات أخرى ومثل هذه النزعة ليست وليدة اليوم بل ظهرت في العصور الاولى فعن أبي سريحة قال "حملني أهلي على الجفاء بعدما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يُبخلونا جيراننا" وتارة بدعوة مقاومة نزعة المباهاة بالأضاحي عند الناس وأن ذلك لا يتم إلا بأن يتركها غالب الناس وهي خدعة ابليس لصرف الناس عن إقامة شعيرة جماعية ورغم أن المباهاة بالأضاحي قديمة منذ العصر الاسلامي الأول إلا انه لم يجرأ أحد من العلماء إلى التزهيد في الاضحية فعن أبي أيوب أنه قال "كان الرجل في عهد رسول الله يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس فصار كما ترى" وتارة بدعوة الأزمة الاقتصادية والخوف من تبديد الثروة الحيوانية وتارة أخرى بدافع الغيرة على الأمة الاسلامية التي تعاني من فتن كقطع الليل المظلم وصراعات طائفية ومذهبية وصلت إلى حد الصدام المسلح بين اهل القبلة بل بين أهل المذهب الواحد والطائفة الواحدة فأي عيد يحتفل به وحالة الأمة المزرية البئيسة على ما سبق ذكره؟ ! وثمة دوافع اخرى للتزهيد في هذه الشعيرة الدينية الجماعية نضرب عنها صفحا الآن.

إن تلك الدوافع المختلفة والمتنوعة ترمي إلى هدف واحد وهو تزهيد الأمة الاسلامية في أعيادها ومنها العيد الاكبر إذ الاعياد في جميع الأمم والملل والنحل خير معبر جماعي عن هوية الأمة وعن خصائصها التي تميزها عن غيرها من الأمم ففي الاعياد الجماعية تبرز فضائل الأمة من أعماقها وتسفر عن أطيب ما فيها وعن معدنها وجوهرها الأصيل رغم ما تعانيه تلك الأمة في سائر أيامها من انحرافات عقدية وفكرية وأخلاقية واجتماعية وسياسية فتأتي محطة الاعياد والمناسبات الجامعة فتُبرز أخلاق التعاون والتعاضد والمسارعة في الخيرات ففي هذه السنة مثلا رغم الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي ستطيح بالنظام الفاسد تجند بعض افاضل الأئمة والدعاة والجمعيات الخيرية وأهل المال واليسار وجنود الخفاء في التحريض على إعانة الفقراء والمساكين وعائلات المساجين وحركوا وسائل التواصل الاجتماعي فأيقظوا الهمم وذكروا بفضيلة إعانة المحتاج وإحياء فريضة التكافل الاجتماعي وكان لهذا التحريض آثاره الزكية على عموم الشعب الجزائري حتى ليخيل للشعب الجزائري أنه ما من بيت إلا وضحت بأضحية العيد وهي حالة استثنائية قل نظيرها منذ الاستقلال فبارك الله في شباب وشابات الجمعيات الخيرية وقوى الله عزائم الدعاة والأئمة وبارك الله في أموال ذوي اليسار والسعة في الرزق على إحياء فريضة التكافل الاجتماعي التي يدعو إليها الإسلام ورسول الانسانية وصدق من قال "الأزمة تلد الهمة والحاجة أم الاختراع" فالذين يحاولون تزهيد الأمة في إقامة شعائرها الجماعية يهدفون عن نية أو سوء نية إلى قتل اهم المشاعر النبيلة المتجذرة في أعماق هوية الأمة المسلمة فإياكم يا معاشر المسلمين السماع أو الانخداع بمثل هذه الدعاوى الباطلة التي ظاهرها حسن وباطنها قبيح.

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح عند وفاة ابنه" العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب" فنحن نقول بمناسبة يوم الحج الاكبر إن العين لتدمع والقلب ليحزن ولكن لا نفعل إلا ما أمر الله به حيث قال "فصلي لربك وانحر" وقوله عليه الصلاة والسلام "ما من عمل ابن آدم يوم النحر عملا احب إلى الله من إهراقة دم وانها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الارض فطيبوا بها نفسا " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان له سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يقربن مصلانا" فالأضحية عند جماهير المسلمين وعند جميع فرق أهل القبلة من أعظم القربات ومن شرائع الدين وشعائره ومن كان ذا سعة على الأضحية فلم يفعل فلا يجوز له أن يقرب مصلى المسلمين بل من ذبح قبل الامام فليُعد ذبيحته.

لقد كان السلف الأوائل لهم عناية فائقة بالهدي والأضاحي امتثالا لقوله تعالى "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" الحج22 وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أفضل ارقاب فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند اهلها قال أمامة بن سهل "وكنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون" وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله أي في الاستسمان والاستعظام والاستحسان وقال المحدث الفقيه أحمد الانصاري الشافعي (فمن أراد ان يضحي عن نفسه باثنتين وثلاثة فهو أزيد في اجره إذا اراد بذلك وجه الله وإطعام المساكين)، وثبت ان ابن عمر رضي الله عنهما انه أقام عشر سنين لا يترك الأضحى وفي لفظ بالجزور أحيانا وبالكبش اذا لم يجد جزورا، وقال ابو مسعود البدري "لقد هممت أن أدع الاضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن تحدثني نفسي بخلاف السنة" وعن تميم اين حويس الاسدي قال "ضلت أضحيتي قبل ان أذبحها فسألت ابن عباس فقال لا يضرك وكان يقصد أجر النية" ولم يقتصر الأمر على تعظيم هذه الشعيرة الجماعية التي تبرز للناس افضل ما في الأمة من خير على الرجال بل شاركوا فيها النساء فقد كان أبو موسى الاشعري يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة او لفاطمة في رواية "اشهدي نسيكتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها" وروي عن ابن عباس انه قال"ما انفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد" وهو الذي قال فيه طاووس "ما رأيت أحد أشد تعظيما لحرمات الله من ابن عباس". فقد كان رضي الله إذا ما اشترى كبشا ووجد ما هو أسمن منه إلا وباعه واشترى الأسمن امتثالا لقوله تبارك وتعالى " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" الحج32 وقوله تعالى "ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه" الحج30 وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول "اهدوا فإن الله يحب الهدي" وقد اهدى الرسول صلى الله عليه وسلم مئة من الابل وعن عروة عن ابيه أنه كان يقول لبنيه "يا بني لا يهدي احدكم لله تعالى من البدن شيئا يستحي من أن يهديه لكريمه فإن الله اكرم الكرماء وأحق من اختير له" وقالت أمنا عائشة رضي الله عنها "ضحوا وطيبوا بها نفسا" وقد جاء في الحديث "إن اكثر الضحايا أغلاها وأسمنها" وقال طاووس "ما انفق الناس من نفقة أعظم أجرا من دم يهراق يوم النحر إلاّ رحم محتاجة يصلها" ويروى أن سعيد ابن مسيب حج ومعه ابن حرملة فاشترى سعيد كبشا فضحا به واشترى ابن حرملة بدنة بستة دنانير فنحرها فقال له سعيد ابن المسيب "أما كان لك فينا أسوة؟" فقال ابن حرملة اني سمعت الله يقول "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير" فأحببت أن آخد الخير من حيث دلني الله عليه فأعجب ذلك ابن المسيب منه وجعل يحدث بها عنه، والأمثلة في تسابق السلف الصالح في تعظيم شعائر الله فوق الحصر وفيما ذُكر عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد، مع العلم ان اجر الاضحية لا يناله كافر ولا مشرك ولا متباهي ولا مرائي ولا من اخل بأركان الاسلام فلا يقبل عند الله إلا ما كان لوجهه الكريم، قال تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دمائها ولكن يناله التقوى منكم" الحج37 فأهم شيء في العيد الأكبر هو إهراق الدم لله تعالى قربة واحتسابا وليس المقصود كثرة الاكل أو الاكثار منه وإن كان مستحبا ومندوبا إليه قال أحمد الانصاري الشافعي في شرحه لصحيح البخاري لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أن المضحي غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم" وقد سئل مجاهد وعطاء عن الذي لا يأكل من أضحيته فقال إن شاء لم يأكل منها قال تعالى واذا حللتم فاصطادوا أرأيت إن لم يصطد؟ وقال ابراهيم كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين - مخالفة للمشركين – فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل" وقال سفيان الثوري لا باس أن يأكل منها ويطعمها كلها قال الطبري وهو قول جميع أئمة الانصار وقال ابن التين لم يختلف المذهب ان الأكل غير واجب خلاف ما ذكره القاضي أبو محمد عن بعض الناس انه واجب وخالف ابن حزم فقال فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته ولو لقمة فصاعدا وذهب البعض الافضل التصدق بكلها إلا لقما يتبرك بها وذهب بعض أهل العلم أنه لا باس أن تطعم من أضحيتك جارك اليهودي والنصراني والماجوسي بحكم حق الجار فجار له حق وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق كما جاء في الحديث.

العلماء في طليعة انقاذ الأمة من الغمة

مما تقدم يتبين لنا جليا أن السلف الأوائل ومن سلك مسلكهم كانوا لا يتهاونون في إقامة شعائر الله والاحتفاء بالأعياد الاسلامية ولو كانت المحن والفتن والزلازل والقلاقل تحيط بهم من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم ومن درس التاريخ البعيد والقريب يعرف ذلك فلم يثبت أن عطلوا عيدا من الاعياد بدعوى الاستعمار او بدعوى الفتن الداخلية او الازمات الاقتصادية او الانحرافات الاجتماعية بل كانوا يتخذون من احياء الشعائر الجماعية سبيلا للتذكير والتبصير والتوعية والتحريض على التعاون على البر والتقوى ومقاومة الظلم والظالمين.

ونحن نقول إن حالة المسلمين حقا مزرية ومخزية وأوضاعهم في تقهقر وتدهور وقد تكالب عليهم العدو الخارجي والعدو الداخلي الم يقل الشيخ البشير الابراهيمي منذ 65 سنة بمناسبة العيد "إن من يفكر في حال المسلمين ويسترسل مع خواطره إلى الأعماق يفضي به التفكير إلى احدى النتيجتين اما ان ييأس فيكفر وإما ان يجن فيستريح" غير ان ذلك كله لا يدعو الى التزهيد في القيام بالتعبد الشرعي بإحياء شعيرة من شعائر الله فقد كان بعض الصالحين يهرق الدم ابتغاء مرضاة الله ولا ينال من أضحيته إلا النزر القليل وهو يتضرع إلى الله بأن يرفع البلاء والمكاره عن الامة الاسلامية جمعاء.

إن الأمة الاسلامية بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى اصلاح شامل وعميق ينقذ الأمة مما هي فيه من قلاقل وفتن وزلازل غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح من هي الجهة الأقدر على إصلاح أحوال هذه الأمة أهم العلماء أم الحكام أو النخبة المتخصصة في مجالات متنوعة أم الشعوب الثائرة المتمردة؟ ! والجواب لن يكون بالسهولة التي يراها البعض غير من المتفق عليه أن مسؤولية أهل العلم أكبر وأعظم وأخطر إذ هم خواص هذه الأمة وأصحاب القدرة على إقامة الحجة والإقناع لتقويم اعوجاج الحكام الظلمة وتبصير الشعوب بالطريق القويم للتخلي عن الانحرافات المتنوعة فقد ذهب الامام الغزالي رحمه الله الى ان فساد الراعي والرعية من فساد العلماء ذاتهم "ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر؟ والله المستعان على كل حال".

على العلماء الربانيين الراغبين في الاصلاح الشامل الصدع بكلمة الحق والصبر والاصطبار وطول النفس إذ مهمة الاصلاح شاقة ومتعبة وهمم العلماء والدعاة متفاوتة وليست على وتيرة واحدة ولله در الامام العلامة المحدث محمد بهجة الاثري اذ يقول "مسمى الاصلاح ومفهومه واسع جدا، وهو يختلف باختلاف الازمنة والأمكنة والأصحاب والأتباع والمريدين والمخاطبين من الناس. ولا يخلو زمان ومكان من أناس فيهم قوة استعداد وميل فطري إلى الإصلاح وتحرير العقول من نير الخرافات والأوهام يهيبون بأقوامهم إلى الحق ويدعونهم إلى ترك ما وجدوا عليه أباءهم من الخزعبلات والأباطيل.. وهؤلاء ليسوا في التأثير على العقول والنفوس على حد سواء، بل إن تأثيرهم ليختلف ويكون بقدر ما أوتوا من مقدرة ووجدوا من مجال، وحسبما اختطوا لهم من الخطط التي يسيرون عليها في الدعوة والإرشاد. فمنهم من يكون في استعداد قوي للإصلاح ولكنه لازدياد شرور بيئته وتغلب الجهل والخمول على اهلها يخشى على حياته فلا يقوى على المجاهرة، بل يضطر إلى المداراة والمماشاة فلا يظهر أثره بل يكمن فيه، أما اصلاحه فيكاد ينحصر في بعض ذوي قرباه ومريديه ولا يتعدى ذلك. ومنهم من استحكمت مريرته وتعاظمت جرأته فيخاطر بنفسه ولا يبالي بشيء، بل يستهل الصعب، ويستخف الأثقال، فينهض للدعوة ويركب في سبيلها كل صعب وذلول، وجد في الأذهان استعدادا للتلقي أم لم يجد، ولكن من استوطأ لهذه السبيل لا يلبث أن تفل عزيمته ويغلب على أمره فتذهب أعماله هباء منثورا. وندر من وفق لغرضه من اتخذ الصرامة له رائدا، والغضاضة قائدا. ومنهم لا هذا ولا ذاك، لا يركب مطية الهوس والغرور فيتعسف المجاهل في سبيل الدعوة ثم يطل الدماء، على الأثراء، ولا يقتل ما خلق الله فيه من استعداد وسلامة فطرة، وما وهبه من علم وفضل باتقائه شرور البيئة واستبداد الجاهلين. بل يكون وسطا في أمره = يجرؤ على الدعوة ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل أهل الباطل ولكن بالتي هي احسن، ثم يبشر وينذر، وييسر ولا يعسر، حتى إذا ما نمت العقول وقويت المدارك، التف حوله ناس ذوو حول وطول وعرفوا الحق فاتبعوه، فلا يلبثون أن يؤازروه، ويشدوا عضده، ويأخذوا بناصره، وينشروا مبادئه، فينجح ويتم له الأمر، ويعود بعد أن كابد المشاق منصور اللواء مظفرا. وهذه الطريقة هي الطريقة المثلى في الاصلاح ولا نجاح إلا بسلوكها، وهي – وإن كان السير عليها بطيئا – لكنه يكون أرسخ وأحكم، وهي التي جرى عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته العظمى، وحث أتباعه وأصحابه على سلوكها، ثم جرى عليها جل عقلاء المصلحين من أئمة الدين في تنقية الدين من أوضار المبتدعة وذوي الأهواء والمآرب أولئك الذين غيروا في الظاهر شكله، وقلبوا وضعه، ووضعوا من شأنه بما زادوا من أعراض، وأفسدوا من جواهر، حتى أبرزوه للعيان والأمر لله بهيئة شوهاء منكرة ينفر منها كل من ينظر إليها. وشيخ مشايخنا السيد نعمان الألوسي واحد من أولئك العلماء المصلحين الذين جمعوا بين الجرأة على الدعوة، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة" ورحم الله ابن القيم اذ يقول "القلوب جوالة فمنها ما يجول حول العرش ومنهما ما يجول حول الحش"

ولما كانت مهمة الدعاة شاقة ومتعبة وخطيرة اذ تعرضهم لشتى اصناف الابتلاء والامتحان اذ اشد الناس عداوة للعلماء والدعاة ورجال الاصلاح هم الولاة الطغاة المتجبرين في الارض وهذه حقيقة واقعية لا يمكن ان ينكرها من له ادنى اطلاع على صفحات التاريخ الانساني بصفة عامة والتاريخ السياسي الاسلامي بصفة خاصة لاسيما بعد الخلافة الراشدة فقد وصل الامر بالخلفاء الطغاة والولاة البغاة والحكام القساة والساسة الدهاة الى التنكيل بكل عالم وفقيه وداعية وممارسة التعذيب عليهم بشتى صنوفه فضلا عن اشاعة قالة السوء في اعراضهم واستباحة دمائهم مما دفع ببعض العلماء والفقهاء والمحدثين اما الى عزلة تامة واما الى عزلة جزئية او لزوم البيوت وعدم الخروج منها إلا الى القبر وبعضهم اضطر الى التواري والاختفاء عن الناس خوفا من بطش ولاة القهر وحكام الجور ولقد ذكر بعضا منهم الحافظ عبد الغني ابن سعيد الاسدي المتوفى سنة 409هـ في كتابه المتوارين الذين اختفوا خوفا من الحجاج بن يوسف منهم الحسن البصري الذي هدده الحجاج بن يوسف بالقتل (قال: وبعث الحجاج الى الحسن فلما دخل عليه قال: انت الذي تقول:قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم؟ قال: نعم. قال: ما حملك على هذا؟ قال: ما اخذ الله على العلماء من المواثيق "لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه"آل عمران 186 قال: يا حسن امسك عليك لسانك وإياك ان يُبلغني عنك ما اكره فأفرق بين رأسك وجسدك) ومن أراد ان يعرف صنوف المحن التي نزلت بخيرة علماء الأمة فعليه بكتاب المحدث الفقيه والمؤرخ المالكي ابو العربي التميمي المتوفى سنة 333 فقد جمع في كتاب المحن صنوف المحن التي نزلت بالعلماء قال "وأنا ذاكر بعد هذا من ابتلى بان قتل او حبس او ضرب او تهدد في صدر هذه الامة وخيارهم وابدأ في ذلك عن قتل الصحابة والتابعين وتابعيهم الى عصرنا هذا بالرواية عن اهل العلم اللذين سمعت منهم وبالله استعين وهو حسبنا ونعم الوكيل "

وقد ذكر العلامة خير الدين الالوسي في كتابه المتاع جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين الابتلاءات التي تعرض لها علماء الأمة وفقهائها حيث قال " وما زال الناس –ولا سيما الكبراء والعلماء- يبتلون في الله تعالى ويصبرون، وقد كانت الانبياء عليهم السلام يقتلون، واهل الخير في الامم السالفة يقتلون، ويحرقون، وينشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه، ولولا كراهية التطويل لذكرت من ذلك ما يطول.

وقد سُمَّ ابو بكر، وقُتل عمر وعثمان وعلي، وسُمَّ الحسن، وقُتل الحسين وابن الزبير،وصُلب خبيب بن عدِي، وقَـَل الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وغيرهما، وقتل زيد بن علي.

وأما من ضُرب من كبار العلماء فكثيرون منهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى – ضربه الحجاج أربعمائة سوط، ثم قتله. وسعيد بن المسيب – ضربه عبد الملك بن مروان مائة سوط، وصب عليه جرة ماء في يوم شات، وأُلبس جبة صوف. وخبيب بن عبد الله بن زبير – ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مائة سوط، وذلك أنه حدّث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا"

فكان عمر إذا قيل له: أبشر، قال: كيف بخبيب عن الطريق؟ !

وأبو عمرو بن العلاء – ضربه بنو أمية خمس مائة سوط

والإمام موسى الكاظم – سجنه هارون حتى مات.

والإمام أبو حنيفة – توفي في السجن بعد أن ضرب، وقيل: أوجر سُما.

والإمام مالك بن أنس – ضربه المنصور أيضا سبعين سوطا في يمين المكره، وكان الملك يقول، لا يلزمه اليمين.

والإمام أحمد – امتحن وسُجن وضُرب في أيام بني العباس.

وللشيخ ابن تيمية في هؤلاء الأئمة أسوة، لو اردنا استقصاء ما ذكره معاصروه من الثناء عليه، وبيان سيرته ومفصل أحواله لأفضى بنا إلى الطول، والقلم – لا مللت – ملول ويكفي من القلادة ما احاط بالجيد."

فعلى علماء الأمة وأعلامها أن يأخذوا الكتاب بقوة وان يجهروا بكلمة الحق في وجه الظلمة من ولاة القهر قدر استطاعتهم وان يبينوا للشعوب الاسلامية الطريق الانجع لخدمة الاسلام والدفاع عن شرائعه وشعائره وان يكشفوا لها خطط الاعداء في الداخل والخارج لحرب الاسلام وقهر المسلمين وان يتخذوا كل وسيلة مشروعة للدفاع عن مقاصد الشريعة الاسلامية الكبرى في حدود القدرة والاستطاعة الشرعية وبمناسبة عيد الاضحى المبارك نسأل الله تبارك وتعالى في أيام التشريق الثلاث أن تطلق الأنظمة الطاغية سراح الدعاة والعلماء من السجون وأن تكف الأجهزة الأمنية في ملاحقة الدعاة والعلماء ومطاردتهم ومنعهم بالقوة من القيام بواجبهم الشرعي وأن يمن على جميع المساجين في العالم العربي والعالم الاسلامي بالثبات والقبول والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وتقبل الله منا ومنكم وغفر الله لنا ولكم.

العبد الفقير إلى رحمة ربه بن حاج علي
الجزائربـ: 11ذي الحجة 1437هـ

الموافق لـ: 13 سبتمبر 2016م

التعليقات

1 - عبد الكريم

السبت, 16 سبتمبر 2017 - 19:10 مساءً

Le pouvoir débile doit savoir que le coran n\'est pas natif grecque , le salafisme grecque et latin n\'est pas et ne peut pas etre l\'avenir du pays La déesse république tombera en France , une révolution de pain devenue une religion , armée républicaine, justice republicaine

شاركنا بتعليق